الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهم من تقدم ذكرهم قريبا - وأعاده واضعا إياه موضع الضمير للاشعار بعلة القول - أي قالوا لمن يتلوه‌ها عليهم وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ الأظهر في سبب قولهم هذا انه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغهم أن هذا القرآن من عند اللّه أوحاه اليه لينذرهم به ، وتحداهم بالاتيان بمثله أو بسورة من مثله فعجزوا ، وكانوا في ريب من كونه وحيا من اللّه لبشر مثلهم كما تقدم في أول السورة ، وفي ريب من كونه من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لم يكن يفوقهم في الفصاحة والبلاغة ولا في شيء من العلم ، بل كانوا يرونه دون كبار فصائحهم من بلغاء الشعراء ومصاقع الخطباء ، فأرادوا أن يمتحنوه بمطالبته بالاتيان بقرآن غيره في جملة ما بلغهم من سوره في أسلوبها ونظمها ودعوتها ، أو بالتصرف فيه بالتغيير والتبديل لما يكرهونه منه كتحقير آلهتهم وتكفير آبائهم ، حتى إذا فعل هذا أو ذاك كانت دعواه انه كلام اللّه أوحاه اليه منقوضة من أساسها ، وكان قصارى أمره أنه امتاز عليهم بهذا النوع من البيان بقوة نفسية فيه كانت خفية عنهم كأسباب السحر لا بوحي اللّه اليه ، وهو ما يزعمه بعض الإفرنج ومقلدتهم في عصرنا وقد فندناه في تفسير الآية الأولى من هذه السورة قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أي قل لهم أيها الرسول إنه ليس من شأني ولا مما تبيحه لي رسالتي أن أبدله من تلقاء نفسي أي بمحض رأيي ومقتضى اجتهادي ، وكلمة تلقاء بكسر التاء مصدر من اللقاء كتبيان من البيان وكسر التاء فيهما سماعي والقياس في هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي ما اتبع فيه إلا تبليغ ما يوحى إلي والاهتداء به ، فان بدل اللّه تعالى منه شيئا بنسخه بلغته عنه ، وما عليّ إلا البلاغ المحض ، وأقول إذا كان اللّه لم يعط رسوله الحق في تبديل القرآن فما حكمه تعالى فيمن يبدلونه بأعمالهم المنافية لصدق وعده لأهله وهم يدعون أنهم أهله كالذين قال فيهم ( 48 : 15 يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) أو بترك أحكامه لمذاهبهم كالذين قال فيهم ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هذا تعليل لمضمون ما قبله ، الذي هو بيان لنفي الشأن الذي قبله أي إِنِّي أَخافُ